فخر الدين الرازي

105

تفسير الرازي

وارعوا أنعامكم ) * ( طه : 54 ) أما مطعوم البشر ، فمنها الطعام ، ومنها الأدام ، ومنها الدواء ، ومنها الفاكهة ، ومنها الأنواع المختلفة في الحلاوة والحموضة . قال تعالى : * ( وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ) * ( فصلت : 10 ) وأيضاً فمنها كسوة البشر ، لأن الكسوة إما نباتية ، وهي القطن والكتان ، وإما حيوانية وهي الشعر والصوف والإبريسم والجلود ، وهي من الحيوانات التي بثها الله تعالى في الأرض ، فالمطعوم من الأرض ، والملبوس من الأرض . ثم قال : * ( ويخلق ما لا تعلمون ) * وفيه إشارة إلى منافع كثيرة لا يعلمها إلا الله تعالى . ثم إنه سبحانه وتعالى جعل الأرض ساترة لقبائحك بعد مماتك ، فقال : * ( ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتاً . منها خلقناكم وفيها نعيدكم ) * ( المرسلات : 25 ) ثم إنه سبحانه وتعالى جمع هذه المنافع العظيمة للسماء والأرض فقال : * ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ) * ( الجاثية : 13 ) . الثالثة عشرة : ما فيها من الأحجار المختلفة ، ففي صغارها ما يصلح للزينة فتجعل فصوصها للخواتم وفي كبارها ما يتخذ للأبنية ، فانظر إلى الحجر الذي تخرج النار منه مع كثرته ، وانظر إلى الياقوت الأحمر مع عزته . ثم انظر إلى كثرة النفع بذلك الحقير ، وقلة النفع بهذا الشريف . الرابعة عشرة : ما أودع الله تعالى فيها من المعادن الشريفة ، كالذهب والفضة ، ثم تأمل فإن البشر استخرجوا الحرف الدقيقة والصنائع الجليلة واستخرجوا السمكة من قعر البحر ، واستنزلوا الطير من أوج الهواء ثم عجزوا عن إيجاد الذهب والفضة ، والسبب فيه أنه لا فائدة في وجودهما إلا الثمينة ، وهذه الفائدة لا تحصل إلا عند العزة فالقادر على إيجادهما يبطل هذه الحكمة ، فلذلك ضرب الله دونهما باباً مسدوداً ، إظهار لهذه الحكمة وإبقاء لهذه النعمة ، ولذلك فإن ما لا مضرة على الخلق فيه مكنهم منه فصاروا متمكنين من اتخاذ الشبه من النحاس ، والزجاج من الرمل ، وإذا تأمل العاقل في هذه اللطائف والعجائب اضطر في افتقار هذه التدابير إلى صانع حكيم مقتدر عليم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً . الخامسة عشرة : كثرة ما يوجد على الجبال والأراضي من الأشجار التي تصلح للبناء ، والسقف ، ثم الحطب . وما أشد الحاجة إليه في الخبز والطبخ قد نبه الله تعالى على دلائل الأرض ومنافعها بألفاظ لا يبلغها البلغاء ويعجز عنها الفصحاء فقال : * ( وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ) * ( الرعد : 3 ) وأما الأنهار فمنها العظيمة كالنيل ، وسيحون ، وجيحون ، والفرات ، ومنها الصغار ، وهي كثيرة وكلها تحمل مياه عذبة للسقي والزراعة وسائر الفوائد . المسألة السادسة : في أن السماء أفضل أم الأرض ؟ قال بعضهم : السماء أفضل لوجوه : أحدها : أن السماء متعبد الملائكة ، وما فيها بقعة عصى الله فيها أحد . وثانيها : لما أتى آدم عليه السلام في الجنة بتلك المعصية قيل له اهبط من الجنة ، وقال الله تعالى لا يسكن في جواري من عصاني . وثالثها : قوله تعالى : * ( وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً ) * ( المؤمنون : 32 ) وقوله : * ( تبارك الذي جعل في السماء بروجاً ) * ( الفرقان : 61 ) ولم يذكر في الأرض مثل ذلك . ورابعها : أن في أكثر الأمر ورد ذكر السماء مقدماً